ارتأيت في هذه الخاطرة أن أتحدث و لو بإيجاز و أشير إلى صنف من الناس قد لا نعلمهم نحن و لكن الله يعلمهم و يجعلهم نجوما حقيقية تنير إذا تحدثت و تؤنس في صمتها و يظهر القبول على محياها و لو أخفت ذلك.
![]() |
رمضانيات. الكيسون في رمضان |
حديثي اليوم عن قلة من ثلة أقل ما يمكن أن يقال في حقهم أنهم أناس يقولون ما يفعلون بل أكثر، و يبقى عند الله سرهم و لله درهم فمن هم هؤلاء الذين خصصتهم بهاته الأوصاف الفريدة؟
الكيسون في رمضان
الكيسون في رمضان. هم الكيسون في غير رمضان، أناس علموا معنى حقيقة لا إله إلا الله و علموا حقيقة الدنيا فتعلموا و عملوا قبل الأجل. و لم يقعدوا و يتمنوا على الله الأماني و يطيلوا الأمل. أناس أكرمهم الله بالفطنة فخاضوا معاركا حقيقية و اعتلوا أولى المراتب مع الأولياء و الصالحين. هم أولئك الذين لا يقفون عند كل صغيرة وكبيرة بل يتجاوزون ما يرضيهم إلى ما يرضي ربهم فرضي الله عنهم و رضوا عنه.
صفات الكيسون
منهم أناس لم يجدوا ما ينفقوا فأنفقوا أجسادهم في الصلاة و القربات و كفوا ألسنتهم عن أعراض الناس. لم تأخذهم العزة بالإثم ليفعلوا ما أمروا و تنافسوا على أبواب المعروف من إدراك الصفوف و إغاثة الملهوف و كذبوا سوء ظنهم حين صدقه الناس. الكيسون هم أولئك الذين لا يجدون و قتا ليستوفوا حظوظ الجنان فلم يكن لهم وقت للتمرير بين الصفحات و فضول قد يحبط صيامهم أو ينقض غزلهم في الإمعان في النظرات.
الذين إذا سمعوا اللغو عنه أعرضوا، و إذا سمعوا منفذ خير قصدوا و عجلوا و لم يؤجلوا فسارعوا إلى مغفرة من ربهم و اغتنموا عافيتهم فكان سعيهم مشكورا. أولئك الذين لا يعتزلون الناس في المعابد، و لكن يصبرون على أذاهم و يسعون بين الناس إصلاحا.
ليس بالضرورة أن يكونوا ذووا لحى أو مقصرون أو تكون نسائهم ذات إسدال و خمار. و لكنهم باعتزازهم وتقديرهم لكل ما سبق فهم الذين التقوى لباسهم في شتى أحوالهم.
و في حزنهم يبتسمون
هم أناس أشد الناس تأذيا في الله و أشدهم حلما على الناس لأنهم فهموا الرسالة و أدركوا قصر الرحلة و يئسوا مما عند الناس، فحملهم ما عند ربهم للصبر على غيره ابتغاء وجهه و طمعا في عفوه فكانوا أحق من عفا عند مقدرة و أقرض حين ميسرة.
الكيسون أناس يشتهون كما نشتهي و لهم ذنوب كما لنا و عيوب، و لكنهم في تحديث و تحيين دائم لعلاقتهم مع الله فهانت نظرتهم للناس فلم يلتفتوا لما قد ينالهم منهم من سوء تقدير أو إلحاق خير أو شر. الكيسون رأسمالهم الوقت فهم له مقدرون و فيه مستثمرون. الكيسون هم الخيرون و أكثر الناس لا يعرفونهم لأنهم لا يسعون للأضواء و المباهاة في الأسواق. تأثيرهم في أفعالهم فإذا رأيتهم ذكرت الله. و أيقنت أن لهم أسرار عند الله.
الكيسون قلة قليلة، كلما سألت عن أحوالهم سمعت منهم كلمة الحمد فلم تدر حقا متى هم في ابتلاء و متى يكونون في عافية. الكيسون على قلتهم موجودين و إن ظننت أنهم لهذا الزمن لا ينتمون.
لا تخلو سيرة من سير الصالحين إلا و فيها إيمانا و تفعيلا لصفة محمودة عند الله و هي الحمد. تراهم في الأصل على الحمد يعيشون و يظنون، و عليه يبنون ما سيأتيهم فيقابلونه بالحمد كيفما كان سواء إن سرهم أو ساءهم فمرده إلى الله، فيدرؤون بذلك استياء أنفسهم فلا يسقطون في حبال الشيطان بعدم الرضا عن الله.
و ليس ذلك إلا اقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتخذونه منهجا و أسوة. تلك المحامد التي يتصف بها الصالحون ترفع عند الله قيمتهم و مقامهم و ترقع ما تمزق من أعمالهم و تجعل لسانهم سهلا لينا لا يقنط منهم جليسهم لما يمتلكونه من حسن ظن بالله و من طاقات إيجابية فهم موقنون أنهم في كل الأحوال كاسبون فلِمَ يتذمرون.
إنهم الحامدون، من تشرَّبت صدورهم معاني الحمد و تسبغت بها جوارحهم فكان الأثر أن هداهم الله و أصلح بالهم.
و ليس ذلك إلا من توفيق الله للعبد. إذا علم منه الصدق فإنه يكفيه كل أمر بل و يزيد من فضله. نعمة الحمد لو نعلمها لما اعتبرناها تعبيرا للشكر بل لجعلناها مقدمة لكل طلب من الله و لاتخذناها عادة روحية لما سنجد فيها من فضائل و خصال ننافس بها الملائكة الكرام و نبلغ ببشريتنا المرام. فالحمد لله في الأولى و الآخرة و الحمدلله على كل حال