جاء الإسلام ليخرج الإنسان من أنانيته و جشعه و ليهذب سلوكه في الجشع و السيطرة. و لما كان الصوم جُنَّة و مدرسة، فمن الدروس التي وجب الإمعان فيها أن المسلم مطالب بأن يلتمس الدعاء للمسلمين بما يدعو به لنفسه من هداية و رزق و قبول. لأن المسلم لا يمكن أن يجتمع فيه الإيمان و الأنانية. و قد ربط الرسول صلى الله عليه وسلم صحة الإيمان بحب المرء الخير لأخيه بنفس الدرجة التي يحبها لنفسه.
![]() |
أحاسنكم أخلاقا |
و إذا أردنا الوقوف على هذا المعنى فهو ليس بالهين أكيد. فالذي يتصف بهذا و يذكر إخوانه المسلمين في دعواته و صلواته لا شك أنه قد نجح في مجاهدة نفسه و قاوم أطماعها و عمل على قمع سوء ظنها و قاوم خواطر الحسد و البغض فاستبدلها بدعوة الخير. و لأن هذا من علامات حسن إسلام المرء فهو كذلك من العلامات التي تبشر المؤمن و تطمئنه أنه على خير.
كيف أرتقي بصومي:
لماذا يدعو المسلم لأخيه بالخير في الشهادة و في ظهر الغيب مع أنه اعتاد على حب التفرد و العجب بنفسه و التميز و النجاح حتى يثبت نفسه. و لكن ما يميز هذا االرسالة المنشودة -الإسلام- هو العمل على تزكية القلب و عدم إخضاعه لسطوة النفس الأمارة بالسوء. كما أن ذلك في حد ذاته تحقيق و اعتراف بألوهية الله بحيث أنني أنا عندما أطلب و أتمنى الأفضل لي و لغيري و لأن المتفضل هو الله الذي لا يعجزه كم في الطلب أو العدد، و هذا غنما يعكس يقين المسلم الذي يدعو بأن الذي يدعوه واسع الفضل و العطاء و ما دعاه لدعائه و طلبه إلا ليطهره و يعطيه. فبقدر الانتصار على حظوظ النفس و حب استحواذها بقدر ما يفتح الله للعبد من قبول للتزكية فيرتقي هذا الإنسان من الفردانية التي هي أكبر عدو له. بل هذا أسلوب خير ينهجه المسلم مما يرفع عطاءه في الجزاء و يضاعف له الأعمال لأن ربه يجازي حتى بمجرد إحسان التية حتى و إن انتفى العمل لعدم القدرة.
قاعدة مكسب/ مكسب
و إذا تأملنا قليلا في أحدث ما توصل له الإنسان فيما يعرف بتطويرالذات و النجاح، نجد أنه ذكر من العادات السبع الأكثر فاعلية قاعدة مفادها أن من منظور التفكير عند الناجحين هو قاعدة مكسب/ مكسب بحيث لا تعارض بأن أنجح أنا و في نفس الوقت ينجح غيري فنجد قد سبق إليها الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا. لكننا اعتدنا أن نسترد من الغرب دائما و ننظر إليه كمثل في كل شيء للاقتداء، و لو كنا نمعن حقا فيما عندنا من ثروات فكرية فيما يزخر به قرآننا و سيرة نبينا العطرة لحققنا ثورات حقيقية على مختلف الأصعدة.
و أشير هنا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث ذكر أن الأقرب إليه مجلسا يوم القيامة الأحسن أخلاقا و ليس الأكثر مالا أو جاها أو سلطة. و ذلك لما فيه من صعوبة و مشقة في تهذيب النفس و تربيتها. "إن من أحبِّكم إليَّ، وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنَكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضَكم إليَّ، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارون والمتشدِّقون والمتفيهقون" حديث حسن صحيح
الحرمان حقيقة ليس هو الحرمان المادي بل في أن لا يعي الإنسان الغاية و المقاصد من الأمور التي يطالب بالقيام بها. كما أن العطايا لا تكون فقط بما هو مادي. فإن لم تجد ما تنفع به أخاك فأمسك عنه شرا أو تمنى له خيرا أو على الأقل لا تتمنى له شرا، وهكذا يمكنك أن تقيس درجة إيمانك الحقيقية و ليس فقط ما تعده أنت من صلاة و قيام و صيام. و إن كان في الأصل أن هاته ما أتت إلا لتؤهلك لتكون فعليا سليم القلب، و هذا لا شك فيه أنه من أعلى مراتب الإيمان و هو أولى ما يوجب دخول الجنان بعد توحيد الملك الديان.
لا سبيل إلا في سلامة القلب
الإشكالية الحقيقية هي في عدم التفكر والتأمل في كل هذا و عدم محاولة معالجته يخلق في النفس البشرية أوهاما و يمزجها بحقائق لتُكون قناعته فيتسلل البغض لقلبه عن أخيه شيئا فشيئا، لأن قلبه خلا من تقوى الله فلا بد أن يمتلئ بالنقيض من حظ الشيطان الذي يوسوس له بسوء الظن.
إن الإسلام حين يحثنا على تمني الخير لغيرنا هو لا يقصي أن الشر في بعض الناس قار مستقر، و لا يبيح للمسلم أن يكون ساذجا لدرجة أن يقدم الخير لمن يؤذيه متعمدا، و لكن الرسالة المنشودة هو العمل على تزكية القلب و عدم إخضاعه لسطوة النفس الأمارة بالسوء.
لقد ارتايت أن أطرح هذا الموضوع في هذا الشهر بالذات الي هو شهر صوم و تزكية حتى يكون الأجر لنا مضاعفا و لأنه من الموضوعات الجوهرية و إن لم يتم الحديث عنها كثيرا.
كذلك يجب أن نعلم أن الود و التآخي بين المسلمين بعضهم ببعض مما يجلب رضا الله على عباده، و يدخل في دعاء المرء لأخيه بالخير مضمون الآية الكريمة رحماء بينهم.
فلنحاول مجاهدين في أنفسنا ما استطعنا في أن نتذكر إخواننا في الدعاء في حاجة أو في دونها حتى نكون من الذين فازوا بحظ عظيم.