تشكل القصص القصيرة مرتعا خصبا لعشاق القراءة، و بالتحديد، لأولئك الذين لا يحبون الروايات بشكل عام لطول أحداثها. هذه قصة قصيرة أخرى تحكي أحداثا اجتماعية من نسج الخيال، تلقي الضوء على نمطين من الشخصيات المتضاربة و التي تنم عن مدى اختلاف تنشئة كل منهما و كيف لعب ذلك دورا في بلورة شخصياتهما و معتقداتهما و نمط تفكيرهما و نظرتهما للحياة.
 |
ذكريات امرأة في زمن الضغط. (قصة قصيرة) |
* عطر اليوم
عطر اليوم، تضعه كل يوم بعد أن تستيقظ و تنظف وجهها. و هي تنظر إلى المرآة، تبتسم لأنها لا تزال قادرة على الاستمتاع بأشياء صغيرة. مكياجها الخفيف و ابتسامتها البسيطة و كوب قهوة تحتسيه ساخنا في زاوية البهو. تعجبها الفترة الصباحية أكثر من باقي الأوقات. تؤجل التفكير في الهموم حتى لا تفقد حماسية الصباح. تصر على أن تعيش اللحظة حتى لا تنطفئ أشياء بداخلها.
و لأنها عفوية و حيوية، فهي تواظب على أن تسقي أزهار فكرها ما أمكنها. سرعان ما ينتهي يومها و هي لم تنجز بعد كل ما كانت تريده، و لكن، عندما تجد الأساسيات بالنسبة لها قد أنجزت تكتفي و تضرب موعدا جديدا في اليوم الموالي دون أن تنسى أن تفتتح يومها بأن تضع عطر اليوم. و يأتي اليوم بما لم تكن تشتهيه. مزاج سيء و حال طقس بائس. و عكوسات لا قبل لها بها من قبل. تتشكل فجأة و تشحن فيها كل سلبية تملأها و تشفط آخر طاقة إيجابية كانت تحتفظ بها من قبل.
يرتفع ضغطها و أحيانا تضطر لتصرخ أو تحدث نفسها، و في النهاية تستسلم لواقع الحال و تتيقن باستحالة تغيير الحال. تظل تتأرجح بين التحمل و القلق، ولكن النضج و الوعي هو أن لا تطيل المكوث في ذلك و تعود بسرعة لقطار الحياة. تتصبر أو تتحايل على نفسها و تحملها على التفاؤل حتى تستمر في استقبال كل يوم جديد بنفس الحماس.
- التقيتها ذات يوم، كانت في طريقها إلى منزلها القديم. سلمت عليها و رمقت في عينيها حنينا لذلك المكان. لم تشأ أن تقل شيئا و لكني شعرت بها أنها تتذكر أيام طفولتها و شبابها. في زاوية البيت كانت لها أمسيات تنفرد فيها مع نفسها و تكتب و تكتب حتى يغالبها النعاس. فتتوقف و تخلد للنوم.
حنين إلى الأمس
هذه المرة وجدتها مختلفة، هذا المنزل يشكل لها أكثر من نواتها الأسرية الأولى. هو يشكل لها مرتعا من الذكريات المتشكلة، الحزينة و الجميلة. بقدر محاولة إخفائها ذلك، بقدر ما يبدو الحنين واضحا على وجهها و هي تقول محاولة إخفاء شعورها: كنت مارة من هنا و قلت أمر بدارنا القديمة فهي تذكرني بأمي و أبي و بأحلامي أيضا التي لم أكن قد بلغتها بعد.
نظرت إليها في استغراب و قلت لها: نعم، كلنا يحن لمنزل طفولته، فنحن بكل بساطة- كل الماضي و شيء من الآن و وقت احتمالي من المستقبل-. قالت: هكذا ترين الدنيا أنت! لكنني حقيقة لأول مرة أشعر بحاجة ملحة لأدخل هذا البيت و أقف عند كل زاوية أستجدي ما كنت أفعله فيه. وقفة أمي في المطبخ و هي تناديني لأساعدها في أشغال البيت، حضور أبي... حتى الخلافات الصبيانية مع إخوتي، اشتقت إليها بشدة.
و فجأة نزلت دمعة حارة من خدها الأيسر فأجهشت بالبكاء. ربتت على كتفها و قلت لها : رقيقة أنت حقا يا صديقتي. أنت رهيفة المشاعر و تأثرك هذا لا تفسير له إلا أن طفولتك تعني لك الكثير. لم تجبني و بسرعة لملمت حزنها و أخذت الحقيبة التي كانت بجانبها و قالت لي: علي أن أذهب الآن. لوحت بيدها سلاما خفيفا و ذهبت. تركتها تغادر حتى اختفت ثم تبعتها فإذا بها تعود و تدخل منزلها القديم.
عكفت على صورها أيام كانت في مرحلتها
الثانوية، و حيث كانت كل الأمور ثانوية على الأقل بالنسبة لها. قلبها فراشة تحلق، و
عقلها كنز ثمين يخبئ من المعلومات أندرها ليعيد صقلها و تشكيلها في صيغ متنوعة.
رسمت مسارات الصبا و لم تدع للهو مكانا، فالأرجوحة كانت تضبط بها الإيقاع و الميزان. هي التي كانت تعلم صويحباتها و تعلم
عليهن بلمسة المرح. غير معقول طاقتها التي كانت تصاحبها، لم تنقض و لا تريدها هي أن
تنقض.
لها تيمات مشرقة و كأنها تختلف نوعا ما عن ما ائتلف. تلغي الجد في عمق
المزاح و تجد حين تجذبها للمزاح. إن قلت الجنون، فهي فيها شيء منه أو قلت الفنون، لها من كل فن نوع، و لكن حدة رجاحة عقلها كانت غالبا ما تسقطها في الإحراج. حين لا
تقتنع برأي غيرها ترغمه أن يعترف، أو تترك له مساحة و وقتا ليستقل برأيه و يختلف.
هي الفتاة الرشيقة البسيطة في ثيابها.
من يصنع الأنانية؟
تركتها هناك و ذهبت، بينما هي تركت بداخلي الكثيرمن الأسئلة... منذ أن افترقنا، تهاطلت على ذهني أسئلة عديدة; هذه الفتاة كانت تدرس معي في المرحلة الابتدائية. لماذا أنا لست مثلها. أنا لا يراودني حنين و لا يشدني أي إحساس تجاه مرحلة طفولتي. أنا لا أشتاق لبيتنا القديم، و كيف سأشتاق له وقد كان مجرد حجرة باردة لا دفئ فيها. مظلمة رغم الأنوار التي كانت فيها.
أنا كنت البنت البكر التي عليها أن تتولى شؤون البيت رغم حداثة سنها. والداي لم أشعر يوما تجاههما بعاطفة الاحترام أو التبجيل. كنت ناقمة عليهما لما كنت أراه من تفريق بيني و بين أختي الصغرى و التي كانوا يمنعونها أن تشاركني مهام البيت. بل كانوا ينهرونها إذا وجدوها خلسة تساعدني. كنت أشك أحيانا أنني ابنتهم فعلا.
وكنت إذا قمنا يوما بزيارة لأحد أفراد عائلتنا أنصدم من كيفية تعامل الأهل مع بناتهم اللاتي يخدمنهم. كان هذا يثير الاستغراب لدي و يحطني في مقارنة بيني أنا و بينهن. فما الذي ينقصني لأنال التقدير و الاهتمام مثلهن. لم أكن أكن إلا الحقد و الكراهية لمن يحمل ميزات لا أحملها أو يتمتع بقدر كبير من الإطراء.
هذه الفتاة جعلتني أتوقف و أحاول فهم كينونتي و لم أنا حقا لا يمتعني شيء في هذه الحياة مهما خرجت أو غيرت أو اقتنيت. جعلتني أبحث عن الإنسانة بداخلي و لكنني تفاجأت، أنا لم أجدها حتى الآن و لا تفسير لدي لذلك. هل أنا المسؤولة عن ذلك أم أنا ضحية حقيقية لأبوين أنانيين...
دارت الأسئلة في رأسي و لم أجد لها جوابا شافيا و اخترت أن اظل حاقدة على من حولي. نعم لأنه كان من اللازم أن أحظى بعناية خاصة. ثم أنا لم أخطىء في شيء و لا مع أحد، أنا من كنت أخدم غيري بلا مقابل. كيف يمكن أن أتصور أن الحق كان علي. تلك الطفولة المخزية ستظل دافعا أساسيا يدفعني لأمكر بالغير ما أمكنني متى شعرت بالتهديد حتى أشعر بقيمتي و استقراري النفسي. الضعف لم يجلب لي إلا الذل. و الذل الذي ذقته سأذيقه كل من ألقاه ليعرف مكانتي و يعمل لي ألف حساب.
يقولون أن كل إنسان يختار نهايته، أنا لم تتح لي أن أختار بدايتي بالشكل الذي يناسبني و بالتالي، فالبداية و النهاية عندي سواء.
إذا أعجبتك القصة، شاركنا برأيك