مع تقارب الزمن و تسارع الأحداث التي أصبحنا نعيش عليها، رأيت أنه من الصواب أن أنبه الأمور نقع فيها عندما نتساهل في أخذ ما تستوجب فيه الجدية، فنجد أنفسنا شيئا فشيئا و دون قصد منا نخوض مع الخائضين.
هذه مقالة تحسيسية ة توعوية تعود بنا إن نحن فهمنا مغزاها، تعود بنا إلى جادة الصواب.
* احذر فتنة دون فتنة
و أنت تبحث و تدرس في كتب السيرة النبوية و الأحاديث، و تشرع في القراءة في الفصل المتعلق بالفتن و الملاحم، تفهم ضمنيا من تلك النصوص، أنه عليك أن تنتبه لفتن ضمن فتن و قبل فتن أشد فتكا و كربا. و لتعاظمها و اشتدادها و اختلافها و تنوعها، فقد جاء الحث على الحذر منها لأنها تذهب بوقت المسلم و بعقله و بدينه لا قدر الله.
أصبحت الشائعات تتصدر عناوين الصفحات و تسحب ما تشاء من الجاهلين ممن لا همة لهم و لا عزم في طلب العلم من أهله و على نهجه الصحيح. و كذلك تلك الفئة من الناس التي تكتفي بحسن نيتها و تقبل كلما يصدر من هذه الشائعات الفاتنة و المريبة
- أخي المسلم ، احذر أن تسحبك الشائعات و الأقوال من هنا و هناك دون أن تشعر. فعلى سبيل المثال، إذا انتبهت من حولك ستلاحظ ذلك بسهولة. حينما تطرق صفحات على شبكة الأنترنت للاستفادة أو الدعوة فتجد هذا يقذف في هذا و أنت تحسب هذا و ذاك على خير، أو تحمل نفسك لتكون مع أحدهما على حساب الآخر، ظنا منك أن الأخير على صواب أو تغلبك العاطفة فتنحاز له، فكن على دراية و يقظة و الزم الحق بأن تنأى بنفسك عن مداخل هذه المهلكات. و اسأل الله الهداية ، سبلها و الرشاد.
* بادروا إلى الأعمال الصالحة
هذه الأحداث المتسارعة التي نعيشها هي ناقوس و إشعار لمن كان له قلب ليبادر بالأعمال الصالحة. فأي زاد قد يتسلح به المؤمن في هذا الزمن المخيف، و الذي وصفه لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يصبح فيه مؤمنا و يمسي كافرا و يمسي مؤمنا و يصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا. أي زاد أهم من التقوى و العمل الصالح. ما أخطر هذا الزمن الذي يبخس فيه المرء بضاعته و يخسر دنياه و آخرته.
إن لم يكن لنا عقل نستوعب به حجم المرحلة التاريخية التي نمر بها. فلا نعطي مزيدا من وقتنا للتافهين و الذين ليس في حساباتهم اليوم الآخر. قال الله تعالى " وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113) " و أن نجتهد في إصلاح ما فسد من اعتقاداتنا و أن ننبه و نوجه التنشئة الحالية و القادمة على ما ينتظرنا و ينتظرهم من ساعات الجد.
- لقد مضى زمن اللهو و العبث. كفى إذا من الغفلة و التغافل، فنحن نوشك أن نكون بين فسطاط الحق و الباطل فاختر ما تكونه يا عبد الله فالموت آتيك مهما طال قدومه. و اعلم أن العلم أول الأبواب لتستنير في الطريق. و إياك أن تغرك نفسك أو يستحوذ عليك شيطانك. فتسويفك للخير قد يكون سببا في حرمانك منه، و ما يدريك أنه إذا الفتن تفاقمت و اشتدت حدتها لم تستقم. و لم تغنم مع السباقين للخيرات. فكن معتقا لنفسك لا موبقا إياها و ادع إلى سبيل ربك بما تعرفه من أمور دينك.
- و اعلم أنه لأن يهدي الله على يدك رجلا خير لك من أثمن ما يمكن أن يمتلكه الإنسان في هذه الدنيا. قال النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه ، كما جاء في سياق الحديث، وهو أطول من هذا؛ يقول له حالفًا بالله -: فو الله لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم. وحمر النعم: هي الإبل، وهي أنفس وأفضل أموال العرب، فهداية رجل واحد أفضل من أنفس الأموال، وبهذا النبي ﷺ يقرر أصلاً كبيرًا، وهو أنه جاء ﷺ هاديًا، وأرسله الله مبشرًا ونذيرًا، ولم يبعثه جابيًا، وهو يعلم أصحابه هذا المبدأ، وأن يكون الحرص على هداية الناس.
من جهة أخرى، عندما تجد نفسك ضعيفا أعزلا ليس لك ما تقدمه لإخوانك المستضعفين إلا دموعك و دعواتك فأقبل على إصلاح نفسك، لا تدري ساعة رحيلك متى تحين. فكن على الله مقبلا و اسأله العافية لهذه الأمة.
*حصاد الأنامل و الألسنة
- لا يخفى على أحد في أيامنا هذه سلطة القلم و الصوت و مدى تأثيرها و سرعة ذلك، فلتحذر أيها المؤمن أن يكون لك شهودا في الرذيلة. إن بالقول أو بالكلمة أو حتى بالصمت. فالسكوت عن الباطل إذا لم يستنكره أحد يصبح عليك واجب و إلا حرمت التوفيق من الله و عوقبت بالاستبدال.
ليس خطابي هذا أمرا و لا تنظيرا و لكن هو لا يعدو أن يكون تذكيرا لنفسي أولا ثم لكل حريص على تزكية نفسه و أن لا يخرج من هذه الدنيا خالي الوفاض فيتحسر و يندم يوم لا ينفعه الندم.
إن زماننا هذا لهو أحوج لأن نستنير و نتأكد من صحة ما نسمع و ما نرى قبل أن نفكر في الأخذ به أو تركه. و ليكن كلنا على فطنة و حذر من كل من يحاول أن يشغل الناس عن قضاياهم المهمة و المصيرية و يستدرجهم لما لا نفع فيه في وقت يتطلب منا كل الجد و الحزم لنصرة الحق وتوطين أنفسنا.
ليس المسلم بالغبي و لا الذي يقتنع بسهولة لأي كلام. و ما كان المسلم أبدا ليلدغ من الجحر مرتين كما جاء في الأثر. دورنا و مسؤوليتنا جسيمة أمام ما نواجهه و ما يواجهه أبناؤنا من مختلف التيارات و الأفكار. فالحرص كل الحرص في ما نأخذ و ما نذر و لا ننسى أن كل هذا يندرج و يدخل في المجاهدة التي نحن مأجورون عليها كما قال الله تعالى
" وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)"
بين فتنة الاتباع و الابتداع
ماذا تعرف عن الفتنة. مبدئيا يمكن أن يتبادر إلى الذهن أن الفتنة تحيل على الأمر الذي يجعل الإنسان في متاهة و حيرة بحيث لا يعرف الاتجاه الذي يسلكه أو حتى كيف يظل مستمرا فيه.
أما الفتنة بمفهومها الاصطلاحي و الذي أريد بالضبط الحديث عنه الآن هو المعنى الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم و الذي حذرنا منه و الذي سيكثر في آخر الزمان. و ها نحن قد عشنا هذا الزمن و نرى صوره المتعددة و المتشكلة و الخطيرة.
لكن الذي جعلني أخرج بهذه الكلمات هو فتنة من يكون على حق أو من تحسبه على حق من أهل العلم في هذا الزمن الحالي فحديثي لن يكون هنا عن أنواع الفتن الأخرى، لأن هذا النوع في حد ذاته عميق و خطير و مهم و يستحق بدل الوفقة وقفات خصوصا لمن اتخذ الأسباب و صار يطرق أبواب العلم ليتزود بنور الوحي ممن يؤخذ عنه.
احذر تقديس الأشخاص
أنا عن تجربة شخصية قد صرت أرى يوميا فتنة الخلاف و المشاداة بين بعض الدعاة تتزايد و تستفحل و هذا على حجم خطورته فهو يؤدي لخطورة أكبر عندما يتعلق الأمر بكم المتابعين لهم أو طلابهم و مدى تأثير آرائهم و مواقفهم عليهم. فليس كل طالب على درجة متقدمة من العلم و الوعي حتى لا يأخذ أو يدع حتى يعيد النظر. و هذا لا يصب في مصلحة ديننا أبدا.
إن التوضيح و التبيان كان و لا يزال من شروط و متطلبات الدعوة. و لكن، عندما تجد وجوها تحسبهم أفاضل من خلال ما يقدمون و يفيدون الناس فتجدهم يتنازعون فيما بينهم في أمور قد تكون تستحق أو حتى لا تستحق. فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التخبط الحقيقي بين المسلمون في الاعتقاد و السلوك و حيث أصبح يصعب علينا مع كثرة التهجمات و الجدالات تمييز أهل الصواب من غيرهم.
احذر لحوم العلماء
فعلا صار يصعب علينا أن ننصف المنصف إن وجد، فقد صار لزاما على كل مسلم يبتغي ما عند الله من علم و حكمة و بصيرة أن يعتمد على الله دائما بأن يطلب منه الهداية و التوفيق ليسلك المنهج الرباني و الشيخ الرباني و يدع عنه الفلاني و العلاني و حزب كذا و اسم كذا لأنها متاهات لا تقدم بل تؤخر و تجر واردها بل تحيد به عن السبب الرئيسي الذي لأجله اجتهد و جاهد نفسه في طلب العلم و أخذ الفضيلة .
رسالتي إلى نفسي ثم لكل طالب خير لا تنس أن تسأل الله كل صباح و مساء أن يبصرك بالحق و أهله و متى ما رأيت ما يريبك فعليك بركعات تشكي إلى ربك ضعف القوة و الحيلة فإننا و الله في السنون الخداعات التي يتغير فيها قلب المرء بشكل مخيف.
كيف يمكن أن تفتح فيديوها لتسمع إفادة فتتفاجأ بأنك في موضوع عنوانه: الرد على كذا و كذا. أو على قول فلان بن فلان، فإن أخذك الفضول تكتشف أن الحديث عن أناس قد بلغوا من السعي و التحصيل الشيء الكثير، و طبعا هذا لن يعجبك فتشعر ىبالحزن حين يُنال ممن تراه أنت و تحسبه على صواب و أنت لا تعلم شيئا عن هذا أو ذاك الذي يهاجمه.
هذا فقط فيض من غيض و مثل عن أحداث كثيرة رأيناها سابقا و لا نزال. فما يتوجب علينا نحن دائما هو طلب السلامة بالابتعاد عن الخوض في كل هذا.
و ما هذا و الله أعلم إلا مصيبة بما كسبت أيدينا. فإن كنا حقا ننتمي إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم فما هذا بدينه و لا بما ورد في القرآن. و لنتذكر كيف أن الله سبحانه و تعالى حذرنا و قال لنا بصريح القول.وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
فلو صبر من هؤلاء الدعاة بعضهم على بعض و كانوا أجدر بالتوحد و الاجتماع و نبذوا التفرقة لأتانا الله خيرا فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه و لا تجعله ملتبسا علينا فنضل و لا حول ولاقوة إلا بالله .
نرحب بتعليقاتكم المحترمة إثراء للنقاش الهادف و شكرا.