هذه قصة قصيرة مستلهمة، تحكي تجربة اجتماعية صحية وعاطفية في فترة الكورونا. تناولت فيها الجانب النفسي بالدرجة الأولى، لما خلفته هذه المرحلة الاستثنائية على النفوس ثم تطرقت للحديث عن الأحداث حسب أدوار الشخصيات.
.webp) |
الجادة رقم7 ( قصة قصيرة) |
الجادة رقم 7
أحيانا، نكتب حتى نشعر بالحياة، و تكتب هي لتشعرني أني هناك أحيا بين خافقها و الحشا. قالت لي ذات مرة: لا تعتقد أبدا أني أحبك. فكرت في كلامها و فهمت أنها تقول العكس. تكتب هي كل مرة قصصا و جرائد فتقوم بمسحها قبل النوم و تترك العناوين... هي التي تقول دائما أنها تجيد النسيان، كانت تحلم ربما... ريثما تدرك حقيقتها. رمشها وشى تحت الوشاح، وتحت المظلة الصفراء، كانت تختبئ ضحكتها و القفازات المخلوعة في يدها. رمقتها ذات مرة رمقة خاطفة لما أثارت الريح فستانها المحتشم ، و بمجرد ما رأتني هرولت إلى سيارتها الأرجوانية فوقعت إحدى القفازات من يدها.
كانت فرصة مناسبة لي لأضمن رؤيتها مرة أخرى. أخذت لي موعدا أمام بيتها و انتظرت خروجها كالعادة في العاشرة صباحا. استوقفتها و قلت لها في لهفة و تردد : صباح الخير يا آنسة. أخرجت رأسها من نافذة السيارة و تبسمت في وجهي و قالت: أهلا أهلا. و قبل أن تكمل كلامها ناولتها القفازة فأخذتها و شكرتني قائلة: إنه لمن دواعي سروري أن ألقاك مرة أخرى. و أردفت: هل أنت مستعد أن تراني مرة أخرى؟ استغربت من كلامها و قلت في نفسي. ما هذه الجرأة؟ هل هذا معقول. فلم أرد عليها و إنما أومأت برأسي و تطلعت إليها حتى مضت و غابت عن عيني...
ضحكت في أعماق قلبي و فرحت جدا ثم حزنت. لقد ساءني أن رأيتها تتحدث بكل هذه الجرأة . لم أكن أتوقع منها ذلك و كنت أرسم عنها صورة مغايرة و ألخصها في أنها على مستواها الأرستقراطي هذا فهي على حياء و خلق لا يمكن أن تتحدث هكذا. المهم، انصرفت و أنا محتار بما أحمل من مشاعر ممتزجة و انطباعات جديدة.
يوم استثنائي
- هي نفسها الفتاة التي قابلتها في الجادة رقم 7 و هي التي لم تعطني من وقتها حينها حتى القليل، و كنت أتمنى لو تسنح لي بفرصة لأقدم لها نفسي و أعبر لها عن مدى إعجابي بها. ها هي قد اختصرت الطريق علي أو ربما هي تستفزني بطريقتها. قلت في نفسي، لن أخوض في كل هذا الآن. يكفي أن حدثت أشياء جميلة هذا اليوم . و تابعت طريقي عائدا إلى البيت .
كانت الساعة السابعة إلا ربع لما جلست قرب محطة لسيارات الأجرة و طال بي الانتظار حتى يئست من أن أجد ما يقلني إلى أقرب مستوصف. كنت مضطرا للذهاب لآخذ حقنة مسكنة للألم الذي يعتصر قدمي. فعلى الأقل، تلك الحقنة تنسيني الألم و تشعرني بالاسترخاء و الراحة لفترة ما.
- قابلتها على الجادة رقم 7، غاب عن بالي اليوم ولكن لم تغب عن بالي تلك الأسئلة التي كانت تكتبها عينيها ساعة العشية. في لحظة التفت إليها لآراها تودع وجهي كأنه أول وآخر لقاء. حملت الأسئلة وعاشت معي لأجتهد لأفك شفرتها لكن. في كل مرة كانت أصعب من أن تفك، فالظروف كانت استثنائية.
لقد كانت ساعة استنفار للجميع. و الغريب أن لا أحد كان يعرف الوجهة أين تكون، هاجس الوباء ينتشر في كل مكان، و النفوس تحتضر قبل الأرواح. أتذكر ابتسامتها الغامضة التي تخفي كل حيرة ساعة الحسرة فلا مجال للتعرف أو الاستلطاف. الخوف مسيطر لأبعد حد و الهلع سيد الموقف. أخافتني صفارة الانذار المدوية المنبعثة من سيارات الإسعاف فهرولت لأختبئ خلف الأشجار حتى لا يأخذوني إلى الاختبار. و بعدما عم الصمت و السكون عدت إلى البيت.
وصلت، أغلقت التلفاز، لا أريد سماع الأخبار و لا أعداد الموتى أو المصابين. يتحدثون إلى العامة: يجب أخذ الاحتياطات و الفيتامينات و حبات الأسبرين لتساعد على انخفاض درجة الحرارة . أما أنا فلم أكن خائفا أبدا من المرض بالقدر الذي كنت أخافه من المستجدات الطارئة في كل حين.
كنت أفكر كيف سأقضي كل أوقاتي محبوسا في البيت بين الجدران. بعد ثلاثة أشهر من الحجر، رفعت حالة الطوارئ فعاد الناس للخروج بشكل عادي و كنت أنا من بينهم، ذاك الذي يتوق ليفتتح صباحه بممارسة الرياضة حتى يكون يومه جيدا.
ما بعد رفع الحجر الصحي
خرجت على غير عادتي هاته المرة أبكر بكثير من باقي الأيام، حاولت أن أستمتع خارجا أكثر، فلقد أطفأ مكوثي في البيت حماسي و نشاطي. في أول خطوة خطوتها رفعت رأسي إلى السماء. أحييها و أشكر الله على عودتنا لحياتنا الطبيعية. الحياة التي كنا نراها مملة أصبحنا نرى فيها المخرج و الخلاص لنا من الملل الحقيقي.
كان الفضول يقودني بسرعة البرق لأتقصى أخبار فتاتي الملهمة. أردت فقط أن أستشعر رائحة الحياة هناك إن لم يكن الموت قد زار تلك الديار.
اقتربت من الحديقة المجاورة للمنزل. رأيت فتاة جالسة على كرسي متحرك تحتسي مشروبا و بجانبها قطة رمادية هادئة. لم أستطع الاقتراب أكثر. اكتفيت بهذه النظرة من بعيد و توجهت للنادي حيث هناك سأمارس حصة الرياضة.
بعد الاستحمام، مررت بأحد أصدقائي و تناولنا الفطور معا و تجاذبنا اطراف الجديث عن مستجدات الأخبار.
سألني; كيف تبدو يا صاح؟
أجبته: مادا تقصد؟
قال: هل ترى نفسك ما تزال متحمسا كما عهدتك، أمازلت مهووسا بالسفر للخارج؟
لم استطع أن أجيبه بل لم أجد الجواب و اكتفيت بأن قلت له:أجيبك لاحقا..
كان يعلم أني كنت ضعيفا هذه المرة لأنه لم يعتد مني التردد أو التمهل، ما كان يعرف عني إلا الحزم. شعرت بالإحباط يتسلل منه لأنه كان يتقوى بي دائما. هنا تأكدت أن الوباء قد لامس حقا جانبي المشرق. لم أستطع أن أستمر في الحديث معه و اعتذرت له بحجة أن علي أن أذهب لغرض ما.
قال لي: أراك غدا.
قلت له: أو بعد غد.
قمت من الطاولة و انا مشتت في ذاتي... شعرت بطعم الخيبة في الغد و بدأت أخفض سقف توقعاتي. و قلت في قرارة نفسي: الخارج... ضجكت ضحكة استهزاء و ازدراء للفكرة. و قلت على أساس أن العيش في الخارج قد يجعل الأمر مختلفا... هراء.
تطلعت إلى الساعة، كان الظهر وشيكا. كنت سأمضي لوسط المدينة و فجأة عذلت عن الأمر و عدت للبيت.
تناولت الغذاء مع أسرتي و انزويت في البيت. استلقيت على الأريكة و تبادرت لذهني أسئلة عدة: ما هذا الفتور الذي أجد في نفسي. ألم أكن بالأمس أنتظر هذه اللحظة؟
كم سأحتاج من الوقت لأستعيد حيويتي و رغبتي في الحياة. لم يعد شيئا مضمونا. ما الذي يمنع، في أي لحظة قد يتم الإغلاق بحجة الوباء أو بحجة أخرى. لقد أصبح كل شيء متوقعا. ثلاثة أشهر كانت كافية لتعتصر الصبر و طاقة التحمل لدى كل واحد منا.
- و ماذا بعد... ما سر هذا الانطفاء بعد التوهج. ترى ماذا حل بتلك الفتاة التي ولدت و في فمها ملعقة من ذهب. على الأقل لن تكون قد عاشت ضغط المكوث بسلبية. و قلت، لم لا أعاود الذهاب إلى هناك لعلي ألتقيها كما حدث من قبل. و فعلا قررت الذهاب و لكن هذه المرة للاطمئنان و لأحذ المبادرة لأسألها عن الفترة الماضية كيف مرت. لعلها تشحنني بقليل من الإيجابية، و حتى و إن لم يحدث، فالتطلع لحسناء مثلها كاف ليشحنك بالإيجابية و بهرمون السعادة. نعم فابتسامتها تلك أتذكر كانت تأخذني لإحساس جميل لا أعرف كيف أصفه. عند قرابة الخامسة مساء قررت أن أذهب و أكون ضيفها و ليكن ما يكن.
ذهبت و ألقيت نظرة من بعيد فلم أجد أحدا في الحديقة. ضغطت على جرس البيت، خرجت الخادمة تسألني و تدلني للتوجه نحو البهو. دخلت لأول مرة و الصمت يملأ الأرجاء. أخذت زاوية و جلست في الانتظار... يتبع الجزء الثاني