من أسرار النفس البشرية. خواطر

عندما يقترب القمر من الانتصاف، أشعر بحاجة ملحة لأنصف مشاعري و خواطري و أفسح لها المجال لتنساب دافعة بكل خوف فتسكب دافئة رغم غليانها و تبرد شيئا فشيئا حتى إذا بقي منها فتات. احتفظت به عالقا في عتبة الفراغ. حتى إذا أردت معاودة الكتابة أبدأ بها و أحيك بطرفها قصصا لا تنتهي...

أزمة منتصف المنتصف. 

 في إحدى الأمسيات الصيفية، أخذت مذكراتي و دون شعور وجدتني أكتب و أصب في كل واد يأتي في خاطري فمرة أعاتب طفولتي و مرة أسأل شبابي و مرة كنت محايدة عني و عن كل من حولي و خلصت إلى أن أكتب فحسب ليس لأي سبب كان، و إنما لأتنفس فقط ولأتعهد الكتابة كيفما كانت جيدة أم رديئة. 

أحلامنا هروب أم أمل

و فجأة خطر على بالي أن أكتب عما لا يلتفت إليه. و لا يكتب عنه و لا يذكر في المجامع إلا ما ندر. فاخترت تلك الأحلام التي لا يمكن أن تتقاسمها مع الآخرين و التي تتضمن أشياء قاومنا للحصول عليها فلم نفلح و كانت هي أشياء غير محمودة لأن في إفصاحنا عنها إظهار للشر و نزعته التي تسكن فينا بغض النظر عن حجمها.

 فوجدت أنها فائض يفيض و أحداثه شريط لا ينتهي فإذا ما خضت فيه بالتفصيل ستتغير نظرتنا عن إنسانيتنا. 

و لأنها عفوية تأتينا، فلا بأس أن نجرد مسؤوليتنا منها و نتناسى أنها ما نمت إلا لهوسنا بها، فكم من مستضعف بيننا لا يأخذ حقه إلا في فصول النوم و كم من مغرم لا يسعفه الحظ ليلتقي محبوبته إلا على مسارح الأحلام، و كم من مضطرب يهاب النوم لأنه إذا نام زاد خوفه و ازدادت كوابيسه. 

لماذا يا ترى نجد في أحلامنا متنفسا و شوطا إضافيا لنفرغ فيه مكبوتاتنا أو نستجمعها؟ و كأن الواقع ليس كاف أو لأننا جبناء بالقدر الكافي الذي لا يخلصنا من عار القصاص إلا هناك. أم أن وقاحتنا نفعلها عندما نموت موتتنا الصغرى و ندعي الصلاح طالما نحن مستيقظين. ذاك الذي لا يجرؤ على تجاوز المحظور أمام العيان، قد يجد له مساحة يختلق أعذارا و يعش أدوارا ما لم تباغته اليقظة. 

و عموما كنت أسمع دائما أن من يفكر في الشيء بكثرة يراه في المنام. و قد كان الصالحون بكثرة حبهم للمصطفى صلى الله عليه وسلم يصلون عليه و يتشوقون إليه لدرجة يرونه في أحلامهم. أما نحن فلا حظ لنا في ذلك إلا ما شاء الله لبعدنا عن نهجه و خصاله. 

أحلامنا متاهة 

و أما أحلامنا، فقد أصبح معظمها لا تفسير له لأن تسارع الزمن و مشاعرنا التي صارت مبهمة و نوايانا الغير واضحة تجاه غيرنا، جعلت مناماتنا مجرد متاهات تعكس ضبابية العيش و عجز التفكير. و حيث صار معظمنا يشعر دائما بحاجة لمساعدة، و ينسى أن يفكر في تقديمها فالأنانية طغت على واقعنا و لم تعد نعطي للأحلام مساحة لتحيا في العالم اللامرئي. فدائنا و دواؤنا رهين لاستبدال ما في بواطننا و البواعث.

من خبايا النفس البشرية 

 و أكاد أجزم أن بعض الرحيل شروق و بعض الإهمال اعتراف و بعض الموت حياة. فليس كل رد فعل لفعل صحيح، و لكن أحيانا يكون التجاهل عربون الاهتمام و يكون الذهاب حل ليظل الذهب و تكون الأضداد خير معبر عن المكنونات.

من أسرار النفس البشرية
من أسرار النفس البشرية

 
- يتعافى المرء بدائه لا بالهروب، بالمواجهة يتعافى لا ينتظر شروقا و لا غروب. إذا أراد أن يعيش و يحيا فعليه أن يقترب من الموت ليعرف الحياة و قيمة الحياة. كلما اصطدم بما لا يحب، احتدم الصراع بين ما هوعليه و ما يريده، فتكون بذلك فرصة لتظهر قوته أو جبنا ليتراجع و يكتفي بالعيش على كلمات مثل لو... ليت.. لو أن.. بيد أن الدنيا كما قيل تؤخذ غلابا. فتكون الغلبة لمن غلب.

و مما يجب الانتباه له، هو أنه يتعين على المرء أن يكون على استعداد تام  لتجاوز حظوظ النفس حين تدعوه للاستمتاع دون جهد. كم هي غرورة أنفسنا حين توهمنا أننا يمكننا أن نسود هكذا بكل بساطة. تُعَيّشنا في وهم و تصفعنا في صور مختلفة.

 الصواب يتجلى حين نمحو الأمية عن أنفسنا و نبدأ في تهجي لغاتها فنكتسب شيئا فشيئا مداخل الحيل التي قد تضعنا فيها كي لا نتعبها فهي تعودت على الراحة. هنا علينا ألا تطاوعها بل أن نقودها لما قد ينهكها لترتفع و ترفعنا. نفسنا العدو فلنتعرف عليها لنحكمها و نجعلها لصالحنا.

1-  خبايا النفس و عقلنا غير الباطن

 في تجاربنا مع المستجدات، نكتشف أن الرياح لا تعاكسنا كما كنا نظن بل تدفعنا و تقَوِْم اتجاهنا نحو الذي أصبح جاهزا لنا ليألقنا. فحبذا لو نعيد قرائتنا للأشياء و الأشخاص حين الفقد و حين الكسب. 

هي الأيام تربينا و تختبرنا لنُسلِّم أنها ليست في صفنا أو في الجانب المعاكس له، و أننا مدعوون لنرى في كل حدث فرصة في أن تكون الاحتمالات غير تلك المعتادة. و أن ما اعتمده عقلنا الباطن لحدث سابق لا و لن يكون بالضرورة نتيجة حتمية لحدث آخر، فلا شيء يتكرر في هذه الدنيا، فلا شروق اليوم كالأمس أو الغد و لا الهواء و لا الضياء.

 إن كان الكون الذي نحن جزء منه يتحرك، فكيف بدواخلنا و مشاعرنا تحركها و تمخضها آلاف الأمواج و الترددات. و مع كل ارتفاع لدقات قلب، ارتفاع لضغط و طعم للحزن و للفرح فينا، لا يستقر كخفقات القلب المتفاوتة. 

علينا أن نتعلم أن نقرأ الحياة بالوعي الناضج لنا و ليس بأذواق الآخرين، فما المتعة في أن يجد الآخرون فينا ما يمْتعهم و نحن المصدر المنزوع من كل بريق.

* ما وراء الاقنعة

 - يقال  أن إرضاء الناس غاية لا تدرك. و لنسلم جدلا أنها تدرك، هل في إدراكها رضانا عن أنفسنا، إن كان الجواب نعم فهو لا يتعدى أن يكون ضربا من الجنون. و إن كان لا فلا مناص من أن نعترف أننا ملزمين بإعادة البرمجة و التحيين لتفكيرنا المرهق في الغايات و الأهداف و كفى أن نربطها بالذوق الجماعي و الحس الاجتماعي. 

ثم ما الضير أن اكون أنا ذاك الشخص العادي الذي لا يعجبهم، و الذي لا ينبهر بهم، و الذي لا و لن تؤثر فيه أحكامهم. إن كان كل الناس تبحث عن ذاك الذي لا يحاسبهم و لا يحسدهم. و إن كنت أنا واحدا منهم، أختار نمط حياتي دون ان أخضعه للمعايير التي وضعوها لأخضع لها. سأكون صريحة و أقول أن هذا طبيعي و أن الغير الطبيعي هو أن أركز على الخارج بدل  الداخل و أستعجل في التقليد لأنضم لسياسة القطيع .

 *  الاختلاف من حكم الله

ستعلم يوما أن الله وضعك في الاختبار ليمتحنك و أنك ما فشلت في أمورك التي كنت تظنها مهمة إلا لكي لا تفشل في ما أهم بعدها من أمور. و بين العتمتين هنالك نور ستراه إن فتحت عينيك. ثم تختار فيما بعد ما تشاء. ان تكون قويا ليس أن تشتغل على نفسك فحسب و تخرج قوتك الداخلية كما يروج لها.  القوة الحقيقية أن تستعين بالله على نفسك في فهمها و إصلاحها. ثم تتعهد في تربيتها كطفل صغير بحيث لا تقسو عليها و لا تتركها تقودك إلى تهلكة. قد تضطر احيانا لتقسو عليها إن كان في ذلك مصلحتها كما لو أنك تطعمها الدواء المناسب لها. 

من كرامات الله التي تتجلى في خلقه أن يختارك أنت بالذات و يضعك في بيئة مريضة أو يرسلك سفيرا لمرضى القلوب ليرى إن كنت حقا ما أنت تدعيه. إن كنت تستطيع أن تكون من الصفوة الذين خصهم الله بالخيرية ليزرعوها بين الناس. ليكونوا شموعا تضيء لا تحرق و ليكونوا محل تمكين أو ازدراء.

 ما لم تخالط أصنافا كثيرة من البشر ستظل جاهلا بحكمة الله في هذا التنوع المعقد و المحير. الذي يشكل نسيجا في غاية التركيب و التعقيد. و ما المثل الذي يقول أن الطيور على اشكالها تقع لم يقع محض الصدفة و إنما لحقائق حدثت و تكررت على مدى السنوات و القرون. لماذا يُحَثُّ على إصلاح السريرة دائما بغض النظر عن النتائج أو الخيبات التي قد نتعرض لها. لأنه و بكل بساطة هي المولد الحقيقي الموجب لأي سبب أو دافع أو نتيجة. لأنه حيثما حدث شرخ أو عدم انسجام في الأعمال تكون العودة للتصحيح ثابتة و سهلة. و لكن إذا لم تصلح السريرة و القصد ضاع كل شيء و أصبح من الصعب إدراك السبب الرئيسي في الخلل و استعصى الفهم أكثر و أكثر، مما يزيد التخبط و احتمالية الدخول في مرحلة الضياع. فما السبيل لمعالجة كل هذا؟ 

من خلال تجارب الحياة لنا و لغيرنا، نستنتج أن العلم بالشيء هو المفتاح الأول. نحن مؤَمَّنون على أنفسنا مساءلين عليها و من حقها علينا أن نفهم هذه الأمانة كيف تفكر و كيف تسيطر و كيف وضع الله فيها من أنواع الأمراض و كيف أمرنا أن نداويها كلما أصيبت بإحداها كما ذكر لنا سبل الوقاية منها و التي عادة لا نهتم بها إلا حين نقع في حالة مرض. العلم بالنفس البشرية من أهم العلوم التي أصبحت تفرض نفسها إذا أراد الأنسان أن يعيش سويا في زمن تتخلله شتى المنعرجات. المنعرجات التي أنتجتها الحضارة و التحضر الزائف و بالضغط طفت كل العقد النفسيه و القديمة و أصبحت تتشكل في مختلف أنواع الشخصيات. حتى صار علم النفس علما متشعبا متفرعا لا حد له ففي كل قسم تجد أقساما متفرعة تتطلب شخصية سوية قوية و اعية و مدركة حتى تستطيع أن تتعايش في هذا المجتمع الذي من المستحيل أن تنفصل عنه.

 تعرف على نفسك قبل أن تفكر في التعرف على الآخر. فحرق المراحل و تجاوزها يحرمك كل الطمأنينة و السعادة. تلك السعادة التي تبحث عنها عند الآخرين هي بين يديك لو كنت تدرك كيف تحصل عليها.

 نقط ضعفك لا تتطلب منك إخفاءها، بل أن تتعرف عليها و تتقبلها على أن تساهم ما استطعت في إصلاحها. و نقط قوتك ركز عليها و اجعلها سببا لتشع و تتألق بها عن أمسك. حين تتعلم أن تركز على تحسين حالتك قبل أن تشغل نفسك بالحكم على الغير تكون قد قطعت أشواطا كثيرة في مرحلة الوعي و الإدراك. و من هاته النقطة تبدأ رحلة النمو و التطور .  لا ترضى أن تظل ضحية و عش عزيزا لأنك خلق الله، بل أحسن ما خلق الله و كرمه فلا تهن ما أكرمه الله.

 - إن تركيبة بني البشر لن يستطيع أحد أن يغيرها، و ستظل مختلفة متنوعة. فيها ما هو بلسم يشفي الجراح، و فيها كذلك من هو مريض السريرة و خبيث النية يتصيد الأحيان ليصطاد في بيئته العكرة. فإن حام حولك أو كره النعمة عليك أحدهم، فكن متقبلا لأصناف البشر و لا تظن ان الذي يريد لك الخير أنه يعطيك شيئا، إنما هو في الحقيقة يعطي نفسه ما يستحق من فضل الله عليه و من شكر النعم. 


و أما الآخر الحقود ذوو النقم، فهو لا ينتمي للعالم السامي و همه فقط هو علامة الاستفهام يظل يطرحها في كل أمر و يرى فيها انعدامه للاستحقاق على أنه جور له و حيف في حقه، و الحقيقة التي لا يعرفها هي أنه يعتقد أن الدنيا حظوظ. ذاك الذي تقاعس عن العمل فحرم نعمة الفضل و العلم و بقي متخبطا في أرزاق العباد لا هو أدرك ما أدركوه و لا هو راض بما رضوه. 

فعلا هو الحسد، حصاد للهموم و الآثام ،و مجلبة لكل نقمة لأن فيها منازعة في اختيار الله و قسمته للأرزاق بين العباد. 

MAGDA
بواسطة : MAGDA
ماجدة الضراوي: - طنجة. المغرب. - صانعة محتوى كتابي أدبي. -حاصلة على الإجازة في القانون خاص. - أستاذة لغة إنجليزية بالسلك الابتدائي الخاص. - درست القرآن الكريم برواية ورش عن نافع في معهد عائشة أم المؤمنين بطنجة. - درست في المركز اللغوي الأمريكي - طالبة في برنامج البناء المنهجي دفعة البشائر 5 الاهتمامات الأدبية: - الكتابة والشعر والقصص القصيرة. العضوية والنشر: - عضوة في منتديات متعددة في الوطن العربي - نشرت بعض أعمالها في المجلات المحلية الطموح. - المساهمة في إثراء المحتوى الأدبي. - تسليط الضوء على صوت المرأة في مجال الكتابة الإبداعية وباقي ميادين الحياة. رابط القناة على اليوتيوب: النسخة الإنجليزية https://www.youtube.com/@memeathoughts-dr
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-